ابن الجوزي

219

صيد الخاطر

واجعل رجاءك دون يأسك جنة * حتى تزول بهمك الأوقات واستر عن الجلساء بثّك انما * جلساؤك الحسّاد والشّمّات ودع التوقع للحوادث انه * للحيّ من قبل الممات ممات فالهمّ ليس له ثبات مثلما * في أهله ما للسرور ثبات لولا مغالطة النفوس عقولها * لم يصف للمتيقظين حياة وقال أيضا : بحفظ الجسم تبقى النفس فيه * بقاء النار تحفظ بالوعاء فباليأس الممض فلا تمتها * ولا تمدد لها طول الرجاء وعدها في شدائدها رخاء * وذكرها الشدائد في الرخاء يعد صلاحها هذا وهذا * وبالتركيب منفعة الدواء وقد كان عموم السلف يخضبون الشيب لئلا يرى الانسان منهم ما يكره ، وان كان الخضاب لا يعدم النفس علمها بذلك ولكنه نوع من مخادعة للنفس ، وما زالت ترى الظاهر ، وانما الفكر والعقل مع الغائب ، ولا بد من مغالطة تجري ليتم العيش « 1 » ولو عمل العامل بمقتضى قصر الأمل ما كتب العلم ولا صنف . فافهم هذا الفصل مع الذي تقدمه ، فان الأول في مقام العزيمة ، وهذا في مكان الرخصة ، ولا بد للتعب من راحة وإعانة . واللّه عز وجل على قدر صدق الطلب ، وقوة اللّجإ وخلع الحول والقوة ، وهو الموفق . 171 - درس للشباب والشيوخ قوام الآدمي بشيئين : الحرارة والرطوبة . ومن شأن الحرارة « 2 » أن تحلل الرطوبة وتفنيها . فالآدمي محتاج إلى تحصيل خلف المتحلل ، فأبدان النشء تغتذي بأكثر مما يتحلل منها . والأبدان المتناهية تغتذي بمقدار ما يتحلل منها ، والأبدان التي قد أخذت في الهرم يتحلل منها أكثر مما تغتذي به ، فينبغي للناشئ البالغ أن يتحفظ في النكاح ، لأنه يربي قاعدة قوة يجد أثرها في الكبر . أما المتوسط

--> ( 1 ) قال المتنبي : تصفو الحياة لجاهل أو غافل * عما مضى منها وما يتوقع ولمن يخادع في الحقائق نفسه * ويسومها طلب المحال فتقنع ( 2 ) هي ما يسمى اليوم « الكالوري » .